الشيخ محمد علي التسخيري
86
محاضرات في علوم القرآن
بالصبر أمرا صريحا فيقول وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا « 1 » ، وينهاه تارة أخرى عن الحزن كما في قوله وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ويذكّره بسيرة الأنبياء الذين تقدّموه من اولي العزم فيقول فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ « 2 » ، ويخفّف عنه أحيانا ويعلمه أنّ الكافرين لا يجرحون شخصه ولا يتّهمونه بالكذب لذاته وإنّما يعاندون الحق بغيا كما هو شأن الجاحدين في كلّ عصر ، كما في قوله قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . « 3 » 3 . إنّ القرآن الكريم ليس كتابا كسائر الكتب التي تؤلّف للتعليم والبحث العلمي وإنّما هو عملية تغيير الإنسان شاملا كاملا في عقله وروحه وإرادته وصنع أمّة وبناء حضارة . وهذا الأمل لا يمكن أن يوجد مرة واحدة وإنّما هو عمل تدريجيّ بطبيعته . ولهذا كان من الضروري أن ينزل القرآن الكريم تدريجا ليحكم عليه البناء وينشئ أساسا بعد أساس ويجتثّ جذور الجاهلية ورواسبها بأناة وحكمة . وعلى أساس هذه الأناة والحكمة في عملية التغيير والبناء نجد أنّ الإسلام تدرّج في علاج القضايا العميقة بجذورها في نفس الفرد أو نفس المجتمع ، وقاوم بعضها على مراحل حتّى استطاع أن يستأصلها ويجتذ جذورها . وقصّة تحريم الخمر وتدرّج القرآن في الإعلان عنها من أمثلة ذلك . فلو أنّ القرآن نزل جملة واحدة بكلّ أحكامه ومعطياته الجديدة لنفر الناس منه ولما استطاع أن يحقّق الانقلاب العظيم الذي أنجزه في التاريخ .
--> ( 1 ) المزمل : 10 . ( 2 ) الأحقاف : 35 . ( 3 ) الأنعام : 33 .